النويري

24

نهاية الأرب في فنون الأدب

والعنّاب والزيتون والأنواع الَّتى داخلها من جوهر الخشب فيه دهانة « 1 » ، وما في خارجها خشب أبيض لا دهانة فيه ، وربّما كان فيه كمثل الطرائق والشامات في الشجرة فيقطع ، ويقشر البياض منه ، ويدفن في التراب ، فيقيم سنين حتى يأكل التّراب ما عليه وما في داخله من الخشب ، ويبقى العود ، ولا يعمل التراب فيه . وإلى نحو هذا القول ذهب محمد بن العبّاس . وقال محمد بن العبّاس أيضا : وأخبرني جماعة من أهل ( الأبلَّة « 2 » ) أنّ العود المعروف بالهندىّ يكون في أودية بين جبال شواهق متوعّرة ، لا وصول لأحد إليها لصعوبة المسلك ، وأنّ العود يكون في غياض بتلك الأودية ، فيتكسّر بعض ذلك الشجر على طول الأيّام ، وتتعفّن منه أصول بعض الشجر من الأمطار والسّيول ، فيأكل التراب والماء والهواء ما فيه من الخشب ، ويبقى صميم العود وخالصه وجوهره ، فإذا كثرت الأمطار وجرت السّيول أخرجته من تلك الأودية إلى البحر ، فتقذفه الأمواج إلى الساحل فيجمعه الناس ويلتقطونه وينقلونه إلى الجهات . وقد حكى بعض من تردّد إلى بلاد الهند من التّجار قال : لم أرشجر العود ، ولا رأيت من رآه ؛ قيل له : وكيف لم تره وقد تردّدت إلى بلاد الهند ، ومنها يجلب ؟ قال : لأنّ التجّار الذين يجلبونه إلى « 3 » الهند إذا قدموا بمراكبهم إلى الموانى بالهند يقفون بالمراسى بحيث يرى

--> « 1 » قد سبق التنبيه على أننا لم نجد الدهانة بالمعنى المراد هنا فيما راجعناه من كتب اللغة ، انظر توضيح ذلك في الحاشية رقم 4 من صفحة 16 من هذا السفر . « 2 » الأبلة : بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى ، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة ( البصرة ) واليها ينسب ( نهر الأبلة ) ، وهو نهر مخرجه من ( دجلة ) من تحت ( نهر معقل ) بأربعة فراسخ ؛ والأبلة بليدة عند فوّهته . « 3 » يفيد قوله : « إلى الهند » أن الهند ليست بلادا أصلية لشجر العود ، وإنما يجلب إليها من نواح أخرى ، وهو ما يفيده سياق القصة المذكورة .